ابن قيم الجوزية
340
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وتجتنب الأسود ورود ماء * إذا كان الكلاب يلغن فيه قال « الدرجة الثانية : الزهد في الفضول . وهو ما زاد على المسكة والبلاغ من القوت ، باغتنام التفرغ إلى عمارة الوقت . وحسم الجأش ، والتحلي بحلية الأنبياء والصديقين » . « الفضول » ما يفضل عن قدر الحاجة . و « المسكة » ما يمسك النفس من القوت والشراب ، واللباس والمسكن ، والمنكح إذا احتاج إليه . و « البلاغ » هو البلغة من ذلك ، الذي يتبلغ به المسافر في منازل السفر . فيزهد فيما وراء ذلك ، اغتناما لتفرغه لعمارة وقته . ولما كان الزهد لأهل الدرجة الأولى : خوفا من المعتبة ، وحذرا من المنقصة : كان الزهد لأهل هذه الدرجة أعلى وأرفع . وهو اغتنام الفراغ لعمارة أوقاتهم مع اللّه . لأنه إذا اشتغل بفضول الدنيا ، فاته نصيبه من انتهاز فرصة الوقت . فالوقت سيف إن لم تقطعه قطعك . وعمارة الوقت : الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى اللّه ، أو يعين على ذلك من مأكل أو مشرب ، أو منكح ، أو منام ، أو راحة . فإنه متى أخذها بنية القوة على ما يحبه اللّه ، وتجنب ما يسخطه . كانت من عمارة الوقت ، وإن كان له فيها أتم لذة فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات « 1 » . فالمحب الصادق ربما كان سيره القلبي في حال أكله وشربه ، وجماع أهله وراحته ، أقوى من سيره البدني في بعض الأحيان . وقد حكي عن بعضهم : أنه كان يرد عليه - وهو على بطن امرأته - حال لا يعهدها في غيرها . ولهذا سبب صحيح . وهو اجتماع قوى النفس . وعدم التفاتها حينئذ إلى شيء ، مع ما يحصل لها من السرور والفرح . والسرور يذكر بالسرور . واللذة تذكر باللذة . فتنهض الروح من تلك الفرحة واللذة إلى ما لا نسبة بينها وبينها بتلك الجمعية ، والقوة والنشاط ، وقطع أسباب
--> ( 1 ) بل لا تحسب أن عمارة الوقت بالصلاة ونحوها فحسب . فإن عمارة الوقت بالعمل الصالح شكرا للّه ، بالزراعة والصناعة ، والعمل في عمارة الأرض واستخراج كنوزها وإصلاحها ، وتنمية الثروات وإعداد القوة والعدد والعدد ، لتكون الأمة قادرة على تمكين دينها ، وإقامة شرائع الإسلام ، ومد ظل عدله ورحمته على الناس ، وإخراجهم به من الظلمات إلى النور ، وكذلك حسن العشرة مع الأهل والولد والجار بكل ما يجعل العشرة حسنة من مأكل ومشرب وملبس ومباعلة للزوج ، وغير ذلك مما يهيئ الحياة الرغيدة ، والعيش السعيد للأسرة ، لتكون في جو وبيئة صالحة كريمة ، لإنشاء جيل جديد من أبناء صالحين نافعين . عاملين لقوة الأمة وعزتها ، وكذلك التمهر في الصناعات والحرف التي تسبق بها الأمة غيرها في مضمار العمران ، كل ذلك ونحوه من شكر اللّه على نعمه فيما أعطى ، وحسن الانتفاع به . ينبغي أن يعمر الوقت به . ومن الغفلة التي جرتها الصوفية على المسلمين ، فردتهم على أعقابهم في ميدان الحياة . زعمهم أن لزوم المساجد والانقطاع للصلاة والصيام بالتقليد الأعمى ، وتكرير كلمات وأوراد من القرآن أو غيره ، بدون فقه ولا تدبر - وزعم أن ذلك هو الذي يعمر الوقت ، وأن العمل في الزراعة والصناعة ، وغيرها من شؤون الحياة ، وتوفير أسباب السعادة والهناء والعيش الرغيد للأسرة تضييع للوقت . فجهلوا هدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وعملوا عن سنن الهدى حتى أصبحت صلاتهم وعباداتهم آلية جافة قاسية ، لا صدق فيها ولا إخلاص ولا هدى ولا خشوع . فكانوا من الخاسرين .